حسن الأمين

270

مستدركات أعيان الشيعة

ومكن الرمح من صدره ثم عفا عنه واكتفى بسلبه فرسه المعروفة « بالبريصة » التي قال فيها ناصيف كلمته المشهورة - والتي ذهبت مثلا - بعد ان استعاد البصة وأعاد البريصة لظاهر : لا بأس أن أعدنا البريصة بعد ان عادت البصيصة ( تصغير بصة ) . وقد أثارت هذه المعركة قرائح العديد من الشعراء العامليين . من أبرز هؤلاء الشيخ إبراهيم الحاريصي الذي أرسل قصيدة طويلة للشيخ عبد الحليم النابلسي وكانت بينهما مفاخرات ومراسلات أدبية . ومن أبرز ما جاء في هذه القصيدة قوله : يا للرجال لمحنة لا يرتجى غير ابن نصار يحل عقالها ناصيف من يحمي الثغور ومن به أبدت سماء المكرمات هلالها بطل له القى الزمان قياده لو طاولته الشامخات لطالها ويد مقبلة البنان كريمة مدت على المستضعفين ظلالها ( 1 ) والمساجلات بين هذين الشاعرين واردة بتمامها في أعيان الشيعة « في ترجمة الشاعر العاملي الشيخ إبراهيم الحاريصي » . أسقط في يد ظاهر العمر ورأى نفسه أمام قيادة جديدة في جبل عامل عليه أن يبدل أسلوبه في التعامل معها . وفي هذا الوقت حصل حادث مريب وملفت للنظر في آن معا . وذلك أن أحمد آغا الدنكزلي وهو رجل مغربي كان في خدمة ظاهر تسلل خفية وهاجم قلعة تبنين على حين غرة من الحامية القليلة الباقية فيها . تمكن الدنكزلي في هذه العملية من القبض على ولدين صغيرين في سن المراهقة من أبناء الشيخ ناصيف وفر بهما إلى عكا . ومن غير الواضح من خلال المصادر التي بين أيدينا إذا كانت هذه العملية تمت بناء لأوامر صادرة عن ظاهر العمر أم أنها تمت بمبادرة شخصية من الدنكزلي هذا . ولكن الثابت ان هذه العملية جعلت ظاهر العمر في موقع أقوى للحصول على معاهدة سلام بشروط مناسبة ولا سيما انه كان راجح العقل : فقد احتفى احتفاء تاما بابني ناصيف وانزلهما مكرمين معززين في جناح خاص من قصره . وكتب ابنا ناصيف إلى والدهما يصفان ما لقياه من إكرام ظاهر العمر ومروءته . ومع ذلك طلبا اليه تجهيز حملة لتخليصهما من الأسر . فأرسل إليهما كتابا يعاهدهما على ذلك ويتوعد ظاهر العمر ويتهدده . فأعادا الكتاب إلى والدهما بعد أن كتبا عليه : كتب الزمان عجائبا في جبهة الأيام سطرا هلا سمعتم أو رأيتم ان نهرا صد بحرا وكان ظاهر واقفا على هذه المراسلات فدعا بالغلامين وسرحهما إلى أبيهما مكرمين بعد ان أهداهما جوادين من خيرة خيوله . ثم توسط الأمر بين العميدين الشيخ سعد أخو ظاهر العمر فتصالحا وتصافيا وعقدا محالفة هجوم ودفاع وقعت في عكا يوم الجمعة الواقع في اليوم الثامن من رجب 1181 / 1767 وحلفا اليمين على السيف والمصحف ان يكونا وشعباهما متصافيين متضامنين ما دامت الأرض والسماء وأعيدت البصة ومارون إلى ناصيف وبنى بالقرب من الأولى خانا يعرف للآن بخان ناصيف ( 2 ) ويذكر الصباغ بعضا من تفاصيل المعاهدة إضافة إلى عودة القريتين ( البصة ومارون ) إلى ناصيف فيقول : انه لا يكون للباشا شان مع جميع المتأولة في دفع مال الميري وعلى أن يساعدهم ظاهر على كل من ناوأهم كما عليهم ان يساعدوه على من يهاجمه أي تحالفوا معه محالفة هجومية دفاعية . وعقد الصلح بين الطرفين على ذلك . وأسقط ظاهر لناصيف من مال الميري المقرر على بلاد بشارة الربع . وجدد له ناصيف اليمين على السيف والمصحف وأن يكون هو وقومه معه يدا واحدة ففرح المتأولة بذلك لأن الباشا كان يكرههم للدين ويعدهم من الروافض . ( 3 ) وبدأ الرجلان معا مسيرة صعبة في مواجهة الأعداء المشتركين وقد كانا بأمس الحاجة إلى هذا التحالف لأسباب داخلية وخارجية على حد سواء . ناصيف النصار والثورة على العثمانيين معركة الحولة - البحرة . كان لتحالف الشيخ ناصيف مع ظاهر العمر أبلغ الأثر في تقوية وضعه الداخلي والخارجي على حد سواء وقد وصف أحد مؤرخي هذه الفترة الوضع في جبل عامل في 1183 / 1769 بما نصه : « كان أكبر مشايخ بني متوال وأقواهم في المال والرجال الشيخ ناصيف النصار وكان تحت يده حصون وقلع وبلدان وضيع يركبون فداوية وفرسان وأبطال شجعان وقد راق لهم الزمان وتملكوا في تلك البلدان وهجعت عنهم حكام الدروز واستكنت ورقت حالهم واطمأنت » . ( 4 ) وكانت ظروف الدولة العثمانية تسمح بازدياد تطلعات الشيخ ناصيف الاستقلالية : إذ كانت في هذه الأثناء واقعة في مرض الضعف الطبيعي الذي لا ينفع معه دواء ولا له شفاء وذلك أن السلطان كان يقيم بسراية ويترك الحكم لوزرائه ونسائه وخدامه ( 5 ) فكان من الطبيعي ان تصبح هذه الدولة عرضة لمطامع جيرانها خارجيا وعمالها داخليا . وكانت روسيا في مقدمة الدول الطامعة باملاك الدولة العثمانية . وهكذا أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وأصبح على الآستانة ان تواجه الخطر الداهم من الشمال دون أن توفق . ثم ما لبثت روسيا ان طورت أساليب هجومها وأخذ اسطولها يضرب موانئ الدولة العثمانية في شرق البحر المتوسط كما أخذت تغري بعض عمال الدولة بالثورة عليها من مثل علي بك الكبير في مصر 1768 . ( 6 ) وكان ظاهر العمر قد اشتد أزره بمحالفته لزعماء الشيعة واعتز جانب الشيعيين وطمحت نفوس الفريقين للاستقلال الناجز فخلعوا نير السلطنة التركية وأبوا دفع الضرائب . ( 7 ) وأفلت الزمام من يد السلطان وأطلق الولاة لأنفسهم العنان فعمت الرشوة وانتشر الفساد في الحكم فثارت سوريا كلها تقريبا على الدولة العثمانية . خافت الدولة العثمانية ( 8 ) مغبة التحالف بين ظاهر العمر وناصيف النصار خاصة وان هذا التحالف كان مسبوقا بتحالف بين ظاهر العمر وعلي بك الكبير حاكم مصر فانتدبت عثمان باشا الصادق والي الشام يعاونه والي صيدا على رأس ثلاثين ألف مقاتل لإخضاع جبل عامل وبلاد فلسطين وهدم سلطة

--> ( 1 ) ن . م . ( 2 ) محمد جابر . ( 3 ) ميخائيل الصباغ . ( 4 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 5 ) تاريخ الجزار . ( 6 ) يوسف الدبس . ( 7 ) محمد جابر . ( 8 ) تاريخ الجزار .